محمد متولي الشعراوي

210

تفسير الشعراوي

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة . . وأعطانا مثلا يقرب لنا صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة . . أراد أن يوضح لنا المنهج الايمانى الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن . . ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى لا يكلف كافرا بعبادته . . ولكن الانسان الذي ارتضى دخول الايمان باللّه جل جلاله قد دخل في عقد إيماني مع اللّه تبارك وتعالى . . وما دام قد دخل العقد الايمانى فإنه يتلقى عن اللّه منهجه في افعل ولا تفعل . . وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شئ . . ذلك أن الايمان هو إيمان بالغيب . . فإذا كان الشئ نفسه غائبا عنا فكيف نريد ان نعرف حكمته . . إن حكمة أي تكليف ايمانى هي : انه صادر من اللّه سبحانه وتعالى ، وما دام صادرا من اللّه فهو لم يصدر من مساو لك كي تناقشه ، ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة لأنه اله وأنت له عابد . . فيكفي أن اللّه سبحانه وتعالى قال افعل حتى نفعل . . ويكفى أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل . . الحكمة غائبة عنك . . ولكن صدور الأمر من اللّه هو الحكمة ، وهو الموجب للطاعة . . فأنا أصلى لأن اللّه فرض الصلاة ، ولا أصلى كنوع من الرياضة . . وأنا أتوضأ لأن اللّه تبارك وتعالى أمرنا بالوضوء قبل الصلاة . . ولكنني لا أتوضأ كنوع من النظافة . . وأنا أصوم لأن اللّه أمرني بالصوم . . ولا أصوم حتى أشعر بجوع الفقير . . لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب . . ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة . . ولو أن الصوم كان لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع . .